عبد القاهر الجرجاني

64

دلائل الإعجاز في علم المعاني ( تحقيق شاكر )

قيلَ له : لما كانتِ المعاني إنما تَتبيَّنُ بالألفاظِ ، وكانَ لا سبيلَ للمرتِّب لها والجامعِ شَمْلَها ، إلى أن يُعْلمكَ ما صنَعَ في ترتيبها بفِكْره ، إلا بترتيبِ الألفاظِ في نُطْقه ، تجوَّزوا فكنُّوا عن ترتيبِ المعاني بترتيبِ الألفاظِ ، ثم بالأَلفاظ بحذْفِ " الترتيبِ " ، ثم أَتْبَعوا ذلك منَ الوصفِ والنعْت ما أبانَ الغرضَ وكشفَ عن المُراد : كقولهم : " لفظٌ متمكّنٌ " ، يُريدون أنه بموافقةِ معناهُ لمعنى ما يليهِ كالشَّيءِ الحاصلِ في مكانٍ صالحٍ يطمئنُّ فيه " ولفظٌ قلِقٌ نابٍ " ، يُريدون أنه مِنْ أجْل أنَّ معناهُ غيرُ موافقٍ لِما يَليه ، كالحاصل في مكانٍ لا يَصْلُح له ، فهو لا يستطيعُ الطمأنينةَ فيه إلى سائرِ ما يجيءُ في صفةِ اللفظِ 1 ، مما يُعْلَم أنه مستعارٌ له مِنْ معناه ، وأنهم نَحَلوه إيّاهُ ، بسببِ مضمونهِ ومؤدَّاه . هذا ، ومَنْ تَعلَّق بهذا وَشَبهِه واعترضَهُ الشكُّ فيه ، بعدَ الذي مضَى منَ الحِجَج ، فهو رجلٌ قد أَنِسَ بالتقليدِ ، فهو يَدْعو الشبهة إلى نفسه من ههنا وثَمَّ . ومَنْ كان هذا سبيلَه ، فليسَ له دواءٌ سِوى السكوتِ عنه ، وتَرْكِهِ وما يَختارُه لنفسِه من سُوءِ النظرِ وقِلَّةِ التدبُّرْ . 56 - قد فرَغْنا الآنَ من الكلامِ على جنسِ المزيَّة ، وأنها من حيِّز المعاني دونَ الألفاظ ، وأنها ليستْ لك حيثُ تَسْمعُ بأُذَنك ، بل حيثُ تَنْظرُ بقلِبك ، وتَستعينُ بفكرك ، وتُعْمل رَوِيَّتَك ، وتَراجع عقْلَك ، وتَسْتنجِدُ في الجملة فَهْمَك ، وبلغَ القولُ في ذلك أقصاهُ ، وانتهى إلى مَدَاه . وينبغي أن نأخذَ الآنَ في تفصيل أمرِ المزيَّةِ ، وبيانِ الجهاتِ التي منها تَعْرِض . وإنَّه لَمَرامٌ صعْبٌ ومطْلَبٌ عسير 2 ، ولولا أَنه على ذلك ، لما وجَدْت الناسَ بين مُنْكِرٍ له من أصله ،

--> 1 في المطبوعة : " ما يجيء صفة من صفة اللفظ " . 2 في " ج " : " مطلبه " ، وفي " س " : " عسر " .